×

جيل الأخبار السريعة: كيف غيّرت منصات التواصل مفهوم الحقيقة لدى الشباب؟

جيل الأخبار السريعة: كيف غيّرت منصات التواصل مفهوم الحقيقة لدى الشباب؟

بقلم: آية علي الزين

لم تعد متابعة نشرات الأخبار أو قراءة الصحف الورقية جزءاً أساسياً من الروتين اليومي لدى فئة واسعة من الشباب. ففي زمن تتسارع فيه الأحداث وتتزاحم فيه المعلومات، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي المصدر الأول للأخبار، حيث يكتفي المستخدم بتمرير سريع على شاشة هاتفه للحصول على خلاصة ما يحدث في العالم. هذا التحول لم يغيّر فقط طريقة تلقي الأخبار، بل أعاد تشكيل مفهوم الحقيقة ذاته لدى الأجيال الجديدة.

تحوّل جذري في مصادر المعرفة

شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في اعتماد الشباب على وسائل الإعلام التقليدية، مقابل صعود منصات مثل تيك توك وإنستغرام وتلغرام كمصادر رئيسية للمعلومات. ويرتبط هذا التحول بطبيعة هذه المنصات التي تعتمد على السرعة والتفاعل المباشر، ما يجعلها أكثر جذباً للجمهور الشاب الذي يبحث عن المعلومة المختصرة والسريعة.

في السابق، كانت المؤسسات الإعلامية تعتمد على معايير تحريرية واضحة تمر عبر مراحل متعددة من التدقيق والمراجعة. أما اليوم، فقد أصبح أي شخص يمتلك حساباً على مواقع التواصل قادراً على نشر الأخبار والتعليق عليها، ما أدى إلى ظهور نمط جديد من “الإعلام الفردي” الذي يختلط فيه الرأي بالمعلومة.

السرعة مقابل الدقة

أحد أبرز التحديات التي فرضتها منصات التواصل هو سباق السرعة في نقل الأخبار. فالمستخدم يفضل معرفة الحدث فور وقوعه، حتى لو كان ذلك على حساب دقة المعلومات. هذه الظاهرة أدت إلى انتشار الأخبار غير الموثوقة والشائعات، خاصة في أوقات الأزمات والكوارث.

وتشير دراسات إعلامية حديثة إلى أن الأخبار الكاذبة تنتشر عبر الإنترنت بسرعة تفوق الأخبار الصحيحة، وذلك بسبب طبيعتها المثيرة للجدل أو العاطفية، ما يدفع المستخدمين إلى مشاركتها دون التحقق من صحتها. هذا الواقع يضع الجمهور أمام كم هائل من المعلومات المتناقضة، ويجعل عملية التمييز بين الحقيقة والتضليل أكثر تعقيداً.

المؤثرون وصناعة الرواية الإعلامية

لم تعد المؤسسات الإعلامية وحدها قادرة على تشكيل الرأي العام، إذ برز دور المؤثرين وصناع المحتوى الذين باتوا يمتلكون جمهوراً واسعاً يتابع تحليلاتهم وتفسيراتهم للأحداث. وغالباً ما يعتمد هؤلاء على أسلوب بسيط وقريب من لغة الشباب، ما يمنحهم قدرة كبيرة على التأثير.

غير أن هذا التأثير يثير تساؤلات حول مدى التزام بعض المؤثرين بالمعايير المهنية، خاصة أن كثيراً منهم يفتقر إلى الخلفية الصحفية أو التدريب الإعلامي، ما قد يؤدي إلى نشر معلومات غير دقيقة أو منحازة.

الذكاء الاصطناعي وتحديات الحقيقة الرقمية

ساهم التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي في تغيير المشهد الإعلامي بشكل جذري. فقد أصبحت أدوات إنتاج المحتوى قادرة على إنشاء صور وفيديوهات ومقالات تبدو واقعية إلى حد كبير، وهو ما زاد من صعوبة التحقق من صحة المعلومات.

كما برزت ظاهرة “التزييف العميق”، التي تسمح بإنتاج مقاطع فيديو تظهر شخصيات عامة وهي تقول أو تفعل أموراً لم تحدث فعلياً. هذا النوع من المحتوى يشكل تهديداً حقيقياً لمصداقية المعلومات، وقد يؤدي إلى تضليل الرأي العام أو إثارة أزمات سياسية واجتماعية.

أزمة ثقة بين الجمهور والإعلام

أدت هذه التحولات إلى تراجع مستوى الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام التقليدية. فالكثير من الشباب يعتقدون أن الإعلام الرسمي قد لا يعكس الصورة الكاملة للأحداث، في حين يرون أن منصات التواصل توفر مساحة أوسع للتعبير وتبادل الآراء.

لكن هذا الانفتاح الإعلامي يحمل في طياته مخاطر كبيرة، إذ إن غياب الضوابط المهنية قد يؤدي إلى انتشار المعلومات المضللة أو الخطابات المتطرفة، ما ينعكس سلباً على وعي الجمهور واستقراره الفكري.

الإعلام الحديث أمام مسؤولية جديدة

في ظل هذه التحديات، أصبح لزاماً على المؤسسات الإعلامية تطوير أساليب عملها لمواكبة التحولات الرقمية. ولم يعد كافياً الاكتفاء بنقل الخبر، بل أصبح من الضروري تقديم محتوى تحليلي موثوق يعتمد على التحقق من المعلومات وتبسيطها للجمهور.

كما بات من المهم تعزيز ثقافة التربية الإعلامية لدى الشباب، من خلال تعليمهم كيفية التحقق من مصادر الأخبار وتحليل المحتوى الذي يتلقونه عبر الإنترنت. فالمتلقي لم يعد مجرد مستهلك للمعلومة، بل أصبح شريكاً في إنتاجها ونشرها.

بين الانفتاح الإعلامي ومسؤولية الحقيقة

لا يمكن إنكار أن منصات التواصل الاجتماعي ساهمت في توسيع مساحة حرية التعبير وإتاحة المعلومات للجميع. إلا أن هذه الحرية تتطلب وعياً أكبر بمخاطر التضليل الإعلامي، خاصة في ظل التطور التكنولوجي المتسارع.

ويبدو أن مستقبل الإعلام سيعتمد على تحقيق توازن دقيق بين السرعة في نقل الأخبار والحفاظ على مصداقيتها، وهو تحدٍ يتطلب تعاوناً بين المؤسسات الإعلامية والجمهور وصناع المحتوى لضمان وصول الحقيقة بشكل واضح وموثوق.

اعلامية وباحثة في مجال الإعلام، حاصلة على درجة الماجستير في الإعلام والتواصل الجماهيري والدراسات السينمائية. متخصصة في تفكيك البروباغندا وكشف أبعادها الأيديولوجية. ومؤسِّسة مجلة "فكر وخبر". تهتم بالكتابة في قضايا السياسة والفكر والثقافة والإعلام.