×

صناعة التريند: من يقرر ما نشاهده فعلًا؟

صناعة التريند: من يقرر ما نشاهده فعلًا؟

لم يعد ما نشاهده اليوم محض صدفة، ولا نتيجة ذوقٍ شخصي خالص. خلف كل فيديو يظهر أمامنا، وكل خبر يتصدّر، وكل اسم يتحوّل فجأة إلى حديث الناس، هناك منظومة كاملة تعمل بصمت. منظومة لا نراها، لكنها تؤثّر في وعينا، اختياراتنا، وحتى مشاعرنا.
السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا هذا المحتوى ناجح؟
بل: من قرر أصلًا أن نراه؟


التريند ليس رأي الأغلبية كما نعتقد

نحب أن نصدّق أن التريند هو صوت الناس، وأن ما ينتشر هو ما يريده الجمهور فعلًا. لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
التريند في معظمه نتيجة دفع منظّم:
خوارزميات، توقيت، تفاعل أولي محسوب، وأحيانًا مصالح تجارية أو سياسية.

ليس كل ما ينتشر محبوبًا، وليس كل ما يُحب يُسمح له بالانتشار.


الخوارزميات: الحَكم الخفي

الخوارزميات ليست شريرة، لكنها ليست محايدة أيضًا.
هي لا تفهم القيم ولا الجودة، بل تفهم:

  • كم بقيتَ تشاهد؟
  • هل علّقت؟
  • هل شاركت؟
  • هل غضبت؟ هل ضحكت؟ هل استفزّك المحتوى؟

كل تفاعل منك هو تصويت غير واعٍ يمنح هذا المحتوى فرصة أكبر للانتشار، حتى لو كنت ترفضه داخليًا.

النتيجة؟
محتوى صادم، سريع، مبالغ فيه، لأنه ببساطة يوقظ ردّة فعل.


لماذا يتشابه المحتوى؟

هل لاحظتِ أن التريندات تأتي بنسخ مكرّرة؟
الفكرة نفسها، الصوت نفسه، العنوان نفسه، وأحيانًا حتى المشاعر نفسها.

السبب بسيط:
حين ينجح نموذج معيّن، تُكافئه الخوارزمية، فيبدأ الآخرون بتقليده.
ليس لأنهم يؤمنون به، بل لأنهم يريدون الظهور.

وهكذا، يتحوّل التريند من مساحة إبداع إلى سلسلة استنساخ.


التريند وصناعة الرأي

الأخطر ليس في الترفيه، بل في الأفكار.
حين يتصدّر رأي واحد المشهد، يبدأ الناس بتبنّيه دون وعي، فقط لأنه “موجود في كل مكان”.

التكرار يصنع الألفة.
والألفة تصنع القبول.
والقبول قد يتحوّل إلى قناعة.

هكذا، لا يُفرض الرأي بالقوة، بل بالظهور المستمر.


من يستفيد من التريند؟

ليس دائمًا صانع المحتوى.
أحيانًا:

  • شركات تروّج لمنتج
  • منصات تبحث عن وقت مشاهدة أطول
  • جهات تريد صرف الانتباه عن قضايا أهم
  • أو حتى فراغ عام يحتاج أي شيء ليملأه

التريند قد يكون أداة، لا ظاهرة عفوية.


أين يذهب المحتوى الجيد؟

كثير من المحتوى العميق لا يفشل لأنه ضعيف، بل لأنه:

  • يحتاج وقتًا للفهم
  • لا يثير غضبًا
  • لا يختصر فكرة معقّدة في 10 ثوانٍ

في عالم السرعة، الهدوء لا يُكافأ.


هل نحن ضحايا أم شركاء؟

الحقيقة المؤلمة: نحن الاثنان.
نشتكي من سطحية التريند، ثم نشارك فيه.
ننتقد التفاهة، ثم نتوقف عندها أكثر من غيرها.

كل مشاهدة، حتى الصامتة، هي مساهمة.


كيف نخرج من الدائرة؟

لا يمكننا إيقاف المنظومة، لكن يمكننا:

  • أن نكون أكثر وعيًا بما نستهلك
  • أن ندعم المحتوى الذي يشبهنا فعلًا
  • أن نختار بوعي، لا بدافع الفضول فقط

التحرر لا يبدأ بإلغاء التطبيقات، بل بإدراك تأثيرها.


أخيرًا

التريند ليس الحقيقة، بل ما تم دفعه ليبدو كذلك.
وما نشاهده ليس دائمًا ما نحتاجه، بل ما يضمن بقاءنا أطول أمام الشاشة.

السؤال الأهم ليس:
ما هو التريند اليوم؟
بل: هل هذا المحتوى يخدمني أم يستهلكني؟

يضم فريق "فكر وخبر" مجموعة من الصحفيين والمحررين المهتمين بتقديم محتوى إعلامي احترافي، يعتمد على الدقة، والتحليل، والطرح الموضوعي للأحداث المحلية والعالمية.