من الخبر إلى الخوارزمية: من يقرّر ما نراه فعلًا؟
بقلم: آية علي الزين
لم يعد السؤال اليوم: ما الذي حدث؟ بل أصبح: لماذا رأيتُ هذا الخبر تحديدًا دون غيره؟ في زمنٍ كانت فيه الصحف الورقية ونشرات الأخبار التلفزيونية هي البوابة شبه الوحيدة إلى العالم، كان محرّرو الأخبار هم من يقرّرون – بشكلٍ مباشر – ما يستحق النشر وما يجب إخفاؤه أو تأجيله. أمّا اليوم، فقد انتقل هذا الدور إلى كيان غير مرئي: الخوارزمية.
نعيش في عصرٍ لا يصلنا فيه المحتوى مصادفة، ولا يظهر أمام أعيننا لأنّه الأهم أو الأصدق بالضرورة، بل لأن أنظمة رقمية معقّدة قرّرت أن هذا هو ما يُناسبنا، أو ما سيُبقينا أطول وقت ممكن أمام الشاشة.
أولًا: من المحرّر البشري إلى المحرّر الخوارزمي
في الإعلام التقليدي، كانت عملية انتقاء الأخبار تمرّ عبر سلسلة من القرارات البشرية: رئيس التحرير، المحرّر المناوب، السياسة التحريرية، والضغوط السياسية أو الاقتصادية. ورغم كل ما في هذه المنظومة من تحيّزات وأخطاء، إلا أن الفاعل كان واضحًا ويمكن مساءلته.
اليوم، تقوم الخوارزميات بهذا الدور بصمت. هي لا تسأل: ما الذي يحتاجه الجمهور معرفيًا؟ بل: ما الذي سيحصل على أكبر عدد من النقرات؟ ما الذي سيُثير الانفعال؟ ما الذي سيُطيل زمن التصفّح؟
هكذا تحوّل الخبر من مادة معرفية إلى منتج رقمي خاضع لقوانين السوق والانتباه، وأصبح الظهور في واجهة المنصّة مكافأة تُمنح للمحتوى الأكثر إثارة، لا للأكثر دقّة أو عمقًا.
ثانيًا: وهم الاختيار الحر
يعتقد المستخدم أنه يختار ما يشاهده ويقرأه بإرادته الحرة. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. كل إعجاب، كل مشاركة، كل ثانية توقف عند فيديو معيّن، تتحوّل إلى بيانات تُغذّي الخوارزمية، التي تعود فتقترح محتوى مشابهًا.
بهذا المعنى، لا تُظهر لنا المنصّات العالم كما هو، بل كما “تظن” أننا نريده أن يكون.
تتكوّن حول كل مستخدم فقاعة معلوماتية خاصة به، يرى داخلها الآراء التي تُشبهه، والمواقف التي تُعزّز قناعاته، والقصص التي تؤكّد له أنه على حق.
وهنا تكمن الخطورة: حين يتقلّص الأفق المعرفي، لا يعود الرأي الشخصي نتاج تفكير نقدي، بل صدى لما تقترحه الخوارزمية.
ثالثًا: الخوارزمية بوصفها فاعلًا سياسيًا غير مُعلن
رغم أن المنصّات الرقمية تُقدّم نفسها كوسيط محايد، إلا أن طريقة برمجة الخوارزميات تجعلها لاعبًا سياسيًا غير مباشر.
حين تُفضّل الخوارزمية المحتوى الغاضب على التحليل الهادئ، فإنها ترفع منسوب الاستقطاب. وحين تُكافئ الأخبار الصادمة على حساب الأخبار المتوازنة، فإنها تُعيد تشكيل المزاج العام.
ليست المشكلة في وجود الخوارزميات بحدّ ذاتها، بل في غياب الشفافية حول كيفية عملها، ومن يضع معاييرها، ولمصلحة من تُصمَّم.
رابعًا: من الخبر إلى الترفيه
في منطق المنصّات، لا فرق جوهريًا بين خبر سياسي، وفيديو رقص، ومقطع ساخر. كلّها محتويات تتنافس على شيء واحد: انتباهك.
هكذا يُعاد إنتاج السياسة والإعلام داخل قالب ترفيهي. تُختصر القضايا المعقّدة في عناوين مثيرة، وتُختزل الوقائع في مقاطع قصيرة، ويُستبدل النقاش العقلاني بردود فعل عاطفية سريعة.
يصبح الخبر عرضًا، والرأي “ترندًا”، والحقيقة مسألة نسبية تخضع لعدد المشاهدات.
خامسًا: فقاعة المعلومات ونهاية المجال العام
كان المجال العام، نظريًا، فضاءً يلتقي فيه المواطنون على معلومات مشتركة يناقشونها من زوايا مختلفة.
اليوم، يتفتّت هذا المجال إلى آلاف الفقاعات المعزولة. كل مجموعة تعيش داخل سرديتها الخاصة، وتتعامل مع أي رواية مخالفة بوصفها تهديدًا أو مؤامرة.
وهكذا، لا نختلف فقط حول التفسيرات، بل حول الوقائع نفسها.
سادسًا: هل نحن ضحايا أم شركاء؟
من السهل إلقاء اللوم كله على الشركات التكنولوجية. لكن الحقيقة أن سلوك المستخدم هو الوقود الأساسي لهذه المنظومة.
نحن من نكافئ المحتوى السطحي بالانتشار، ونمنح التضليل قوة الخوارزمية، ونتجاهل المصادر الرصينة لأنها “مملّة”.
الخوارزمية لا تفرض ذوقها علينا من فراغ؛ إنها تعكس – وتضخّم – أسوأ ميولنا الرقمية.
سابعًا: كيف نستعيد جزءًا من حريتنا المعرفية؟
لا يمكن الهروب من الخوارزميات، لكن يمكن التحايل عليها جزئيًا:
- تنويع مصادر الأخبار وعدم الاكتفاء بمنصّة واحدة.
- متابعة آراء مخالفة عمدًا.
- إبطاء الاستهلاك الإعلامي بدل التصفّح القهري.
- دعم الصحافة الجادّة ولو بالحدّ الأدنى.
التحرّر الكامل وهم، لكن الوعي بالآلية هو الخطوة الأولى لمقاومتها.
من يقرّر ما نراه فعلًا؟
الجواب هو: لا أحد وحده.
الخوارزميات، الشركات، المعلِنون، والسياسيون… ونحن أيضًا.
نحن نعيش داخل نظام إعلامي لا يهدف إلى تنويرنا، بل إلى إبقائنا مشدودين.
وفي هذا العالم، يصبح السؤال الأخطر ليس: ما الحقيقة؟ بل: لماذا هذه الحقيقة بالذات وصلت إليّ؟
ربما آن الأوان أن نعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة:
هل نملك عقولنا… أم نؤجّرها للخوارزميات؟


