×

السينما الشيوعية بين الفن والدعاية: هل كانت أداة أيديولوجية أم مشروعاً ثقافياً بديلاً؟

السينما الشيوعية بين الفن والدعاية: هل كانت أداة أيديولوجية أم مشروعاً ثقافياً بديلاً؟

بقلم: آية علي الزين

منذ ولادة السينما في أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن الصورة المتحركة مجرد وسيلة ترفيه بصري، بل تحوّلت سريعاً إلى أداة تأثير اجتماعي وثقافي وسياسي. ومع صعود الأنظمة الشيوعية في القرن العشرين، اكتسبت السينما بعداً استراتيجياً جديداً، حيث اعتُبرت وسيلة مركزية لإعادة تشكيل وعي الجماهير وترسيخ القيم الأيديولوجية. وبين الاتهامات الغربية التي صنّفتها كأداة دعائية، والإشادات النقدية التي اعتبرتها مدرسة فنية ثورية، بقيت السينما الشيوعية تجربة معقدة تجمع بين الإبداع الفني والوظيفة السياسية.

السينما كأداة لبناء الإنسان الجديد

مع نجاح الثورة البلشفية عام 1917، أدرك قادة الاتحاد السوفيتي مبكراً القوة الاستثنائية للسينما في التأثير على الجماهير، خصوصاً في مجتمع يعاني من نسب أمية مرتفعة. فقد رأى فلاديمير لينين أن السينما هي “أهم الفنون”، ليس فقط لسهولة وصولها إلى مختلف الفئات الاجتماعية، بل لقدرتها على تشكيل الوعي الجماعي وصياغة الهوية السياسية.

لم تكن السينما الشيوعية تسعى إلى الترفيه فحسب، بل إلى خلق نموذج “الإنسان الاشتراكي الجديد”، الذي يؤمن بقيم العمل الجماعي والتضحية من أجل المجتمع. ومن هنا، ركزت الأفلام على تصوير الطبقة العاملة كبطل جماعي، في مقابل تهميش فكرة الفرد البطل التي سيطرت لاحقاً على السينما الغربية.

وقد شكّلت هذه الرؤية تحوّلاً جذرياً في مفهوم السرد السينمائي، حيث لم يعد الصراع الدرامي يدور حول قصة شخصية فردية، بل حول تحولات اجتماعية وتاريخية كبرى تعكس مسار الثورة وتحدياتها.

المونتاج الثوري: عندما يصبح الشكل لغة أيديولوجية

لا يمكن الحديث عن السينما الشيوعية دون التوقف عند المخرج السوفيتي سيرغي آيزنشتاين، الذي أسّس لما عُرف بالمونتاج الجدلي، وهو أسلوب يعتمد على تركيب اللقطات بطريقة تخلق معنى جديداً من خلال التصادم البصري والفكري بينها.

في فيلمه الشهير “المدرعة بوتمكين” (1925)، استخدم آيزنشتاين المونتاج ليحوّل مشاهد القمع القيصري إلى خطاب بصري يحفّز المشاهد على التعاطف مع الثورة. ولم يكن هذا الأسلوب مجرد ابتكار تقني، بل كان انعكاساً للفلسفة الماركسية التي ترى أن التغيير يولد من صراع التناقضات.

وقد أثّر هذا الأسلوب لاحقاً في تطور اللغة السينمائية عالمياً، حيث تبنته مدارس سينمائية متعددة، ما يدل على أن السينما الشيوعية لم تكن فقط وسيلة دعائية، بل ساهمت في تطوير أدوات التعبير الفني.

السينما والدعاية: حدود الفن تحت سلطة الدولة

رغم الإبداع الفني الذي شهدته السينما الشيوعية، إلا أنها كانت تعمل في إطار منظومة رقابية صارمة. فقد فرضت الدولة على صناع الأفلام الالتزام بما عُرف بـ”الواقعية الاشتراكية”، وهي مدرسة فنية تهدف إلى تقديم صورة مثالية عن المجتمع الاشتراكي وتقدّم الثورة كمسار تاريخي حتمي.

هذا التوجيه السياسي أدّى إلى إنتاج أفلام تمجّد القادة والثورات وتبرز نجاحات النظام، في مقابل تهميش أي سرديات ناقدة أو معارضة. وفي الصين الماوية، على سبيل المثال، تحولت السينما إلى أداة تعبئة سياسية خلال الثورة الثقافية، حيث جرى إنتاج أعمال تمجد الحزب الشيوعي وتعيد صياغة التاريخ وفق الرؤية الرسمية.

أما في كوبا بعد ثورة 1959، فقد حاولت السينما الجمع بين الالتزام الأيديولوجي والتجريب الفني، حيث قدم معهد السينما الكوبي تجارب سينمائية ذات طابع إنساني واجتماعي، ما أضفى بعداً ثقافياً أوسع على المشروع السينمائي الشيوعي.

مقارنة مع السينما الغربية: اختلاف في الخطاب أم في الأسلوب فقط؟

غالباً ما صُوّرت السينما الشيوعية في الخطاب الغربي كأداة دعائية مباشرة، في حين جرى تقديم السينما الغربية بوصفها مساحة حرة للإبداع. إلا أن هذا الطرح يثير تساؤلات نقدية حول مدى حياد السينما في الأنظمة الرأسمالية.

فالعديد من الأفلام الهوليوودية، خصوصاً خلال الحرب الباردة، ساهمت في ترسيخ صورة إيجابية عن النموذج الرأسمالي والديمقراطية الغربية، مقابل تصوير الأنظمة الشيوعية كرمز للقمع والجمود. ومن هنا، يرى بعض الباحثين أن الاختلاف بين السينما الشيوعية والغربية لم يكن في وجود الأيديولوجيا، بل في درجة وضوحها وطبيعة حضورها داخل النص السينمائي.

الإرث الثقافي للسينما الشيوعية وتأثيرها العالمي

رغم انهيار معظم الأنظمة الشيوعية في نهاية القرن العشرين، إلا أن تأثير هذه السينما ما زال حاضراً في الثقافة البصرية المعاصرة. فقد أسهمت المدارس السينمائية السوفيتية في تطوير تقنيات المونتاج والسرد الجماعي، كما أثّرت في حركات سينمائية لاحقة مثل السينما الواقعية الجديدة في إيطاليا وسينما المؤلف في أوروبا.

إضافة إلى ذلك، أعادت السينما الشيوعية طرح سؤال العلاقة بين الفن والسلطة، وهو سؤال لا يزال مطروحاً في مختلف الأنظمة السياسية. فمع صعود المنصات الرقمية وتزايد دور الإعلام المرئي في تشكيل الرأي العام، عادت النقاشات حول توظيف الصورة في الصراعات السياسية والثقافية، وإن بأدوات أكثر حداثة وتعقيداً.

السينما والسياسة: جدلية لا تنتهي

تكشف تجربة السينما الشيوعية أن الفن لا يمكن فصله تماماً عن السياق السياسي الذي يُنتج فيه. فهي من جهة قدّمت نموذجاً لسينما ملتزمة بقضايا المجتمع والتغيير الاجتماعي، ومن جهة أخرى أظهرت كيف يمكن للسلطة أن توجّه الإبداع الفني لخدمة خطابها الأيديولوجي.

وبين هذين البعدين، تبقى السينما الشيوعية تجربة تاريخية غنية، لا يمكن اختزالها في كونها مجرد دعاية سياسية أو مشروع فني مستقل، بل هي مساحة التقاء معقدة بين الجماليات الفنية والرؤى الفكرية والصراعات السياسية.

في زمن تتداخل فيه السياسة بالإعلام الرقمي، تبدو تجربة السينما الشيوعية تذكيراً مبكراً بأن الصورة ليست مجرد انعكاس للواقع، بل أداة قادرة على إعادة تشكيله وصياغة الوعي الجمعي للأجيال.

اعلامية وباحثة في مجال الإعلام، حاصلة على درجة الماجستير في الإعلام والتواصل الجماهيري والدراسات السينمائية. متخصصة في تفكيك البروباغندا وكشف أبعادها الأيديولوجية. ومؤسِّسة مجلة "فكر وخبر". تهتم بالكتابة في قضايا السياسة والفكر والثقافة والإعلام.