حين تصبح الكاميرا شاهدًا لا راويًا: كيف غيّرت الواقعية الحديثة مفهوم البطل في السينما
بقلم: آية علي الزين
لم تكن السينما منذ نشأتها مجرد وسيلة ترفيه بصري، بل شكّلت على الدوام مرآةً تعكس تحولات المجتمعات وتبدلات وعي الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. فمنذ اللقطات الأولى التي وثّق بها الأخوان لوميير الحياة اليومية في نهايات القرن التاسع عشر، وحتى أحدث إنتاجات السينما المعاصرة، ظلّت الكاميرا تتحرك بين وظيفتين متناقضتين ظاهريًا: أن تكون راوياً يصوغ الحكاية وفق رؤية فنية، أو شاهدًا يلتقط الواقع كما هو، بكل هشاشته وتعقيداته. وفي خضم هذا التوتر بين السرد والتوثيق، برز تحوّل جذري في صورة البطل السينمائي، حيث تراجعت صورة البطل الأسطوري أو المثالي لصالح الإنسان العادي، الذي لم يعد انتصاره مرهونًا بالقوة الخارقة، بل بقدرته على الاستمرار في مواجهة الحياة.
البطل في السينما الكلاسيكية: صناعة الأسطورة البصرية
في المراحل الأولى من تطور السينما، ارتبط مفهوم البطل ارتباطًا وثيقًا بالبنية الدرامية التقليدية، حيث كانت الحكاية تقوم على صراع واضح بين الخير والشر، ينتهي عادة بانتصار البطل الذي يجسد القيم المثالية للمجتمع. وقد كرّست السينما الهوليوودية الكلاسيكية هذا النموذج، فظهر البطل في صورة الرجل القوي، الشجاع، القادر على مواجهة التحديات والانتصار عليها، سواء في أفلام الغرب الأمريكي أو أفلام المغامرات أو حتى الميلودراما الرومانسية.
لم يكن هذا النموذج مجرد اختيار فني، بل كان انعكاسًا لمرحلة تاريخية كانت تبحث عن رموز ثابتة تعزز الشعور بالاستقرار واليقين. فقد جاءت السينما في بداياتها في زمن كانت فيه المجتمعات الغربية تعيش تحولات اقتصادية وسياسية عميقة، فشكّلت صورة البطل المثالي نوعًا من التعويض الرمزي عن القلق الجماعي. وهكذا أصبحت السينما وسيلة لإعادة إنتاج الأساطير الحديثة، حيث يتحول البطل إلى رمز للقوة الأخلاقية والاجتماعية.
الواقعية الإيطالية: ولادة الإنسان العادي على الشاشة
شكّلت الحرب العالمية الثانية نقطة تحول مفصلية في تاريخ السينما، حيث أدت الدمار الذي خلّفته الحرب إلى إعادة النظر في صورة الإنسان وموقعه في العالم. ومن رحم هذه المرحلة ولدت الواقعية الإيطالية، التي يمكن اعتبارها البداية الفعلية لتحول الكاميرا من راوٍ إلى شاهد.
في أفلام مثل سارق الدراجة لفيتوريو دي سيكا أو روما مدينة مفتوحة لروبرتو روسيلليني، لم يعد البطل شخصية خارقة أو مثالية، بل أصبح إنسانًا بسيطًا يواجه قسوة الحياة اليومية. كان العامل الفقير، أو الأب العاجز عن توفير لقمة العيش، أو المرأة التي تكافح من أجل البقاء، هم أبطال هذه المرحلة. وقد اعتمدت هذه السينما على التصوير في الشوارع الحقيقية، واستخدام ممثلين غير محترفين، والابتعاد عن الديكورات المصطنعة، ما منح الصورة السينمائية صدقًا إنسانيًا غير مسبوق.
لقد أعادت الواقعية الإيطالية تعريف البطولة، فلم تعد مرتبطة بالانتصار، بل أصبحت مرتبطة بالصمود. وأصبح البطل إنسانًا يمكن للمشاهد أن يرى نفسه فيه، لا نموذجًا بعيدًا عنه.
تحولات اللغة البصرية: من الإبهار إلى الصدق
لم يقتصر التحول على طبيعة الشخصيات، بل شمل أيضًا اللغة البصرية للسينما. ففي السينما الكلاسيكية، كانت الكاميرا أداة لصناعة الوهم الجميل، حيث تُستخدم الإضاءة والديكورات وحركات الكاميرا لخلق عالم متكامل يخدم الحكاية الدرامية. أما في السينما الواقعية، فقد أصبحت الكاميرا أقرب إلى العين البشرية، تراقب وتوثّق أكثر مما تفسّر.
اعتمدت الواقعية الحديثة على اللقطات الطويلة، والتصوير اليدوي، والاعتماد على الضوء الطبيعي، وهي تقنيات جعلت المشاهد يشعر بأنه يعيش الحدث بدل أن يشاهده من الخارج. وهكذا تحولت الكاميرا إلى شاهد صامت يترك للمشاهد حرية تفسير ما يراه، بدل أن يفرض عليه رؤية محددة.
السينما المستقلة: تعميق مفهوم البطولة الإنسانية
مع صعود السينما المستقلة في أوروبا وأمريكا وآسيا، تعزز هذا الاتجاه نحو إعادة تعريف البطل. فقد أصبحت السينما مساحة لطرح أسئلة وجودية حول الهوية والاغتراب والعلاقات الإنسانية، بدل التركيز على الحبكات التقليدية القائمة على الصراع الخارجي.
في هذه السينما، قد يكون البطل شابًا يعيش أزمة هوية، أو امرأة تبحث عن ذاتها في مجتمع محافظ، أو إنسانًا عاديًا يحاول التكيّف مع عالم متغير. وغالبًا ما تنتهي هذه الأفلام بنهايات مفتوحة، تعكس غموض الحياة وعدم وجود إجابات نهائية.
لقد ساهم هذا التحول في تقريب السينما من الأدب والفلسفة، حيث لم تعد الحكاية هي الهدف الأساسي، بل أصبح الإنسان ذاته هو الموضوع الحقيقي للفيلم.
السينما العربية: الواقعية بوصفها شهادة اجتماعية
لم تكن السينما العربية بعيدة عن هذه التحولات، فقد شهدت مراحل مختلفة حاولت فيها إعادة رسم صورة البطل بما يتناسب مع الواقع الاجتماعي والسياسي للمنطقة. ففي أفلام الواقعية المصرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، برزت شخصيات تمثل الطبقات الشعبية وتعكس صراعاتها اليومية.
وفي السينما العربية المعاصرة، ازداد حضور الإنسان العادي بوصفه محور الحكاية. فقد تناولت العديد من الأفلام قضايا الهجرة والبطالة والحروب والاغتراب، حيث لم يعد البطل يسعى إلى تحقيق انتصار واضح، بل إلى الحفاظ على إنسانيته في ظروف قاسية.
هذا التحول جعل السينما العربية أكثر قربًا من الواقع، وأكثر قدرة على التعبير عن التحولات الاجتماعية العميقة التي تمر بها المجتمعات العربية.
تأثير الواقعية على الجمهور: من التلقي إلى المشاركة
أحد أهم نتائج هذا التحول كان تغيير طبيعة العلاقة بين الفيلم والمشاهد. ففي السينما الكلاسيكية، كان المشاهد يتلقى الحكاية بوصفها تجربة ترفيهية، بينما تدفعه السينما الواقعية إلى المشاركة العاطفية والفكرية في الحدث.
عندما يرى المشاهد شخصيات تشبهه في ضعفها وأخطائها، يصبح الفيلم تجربة شخصية وليست مجرد عرض بصري. وهكذا تتحول السينما إلى مساحة للتأمل الذاتي، حيث يواجه المشاهد أسئلته الخاصة من خلال الشخصيات التي يراها على الشاشة.
البطل المضاد: تفكيك الصورة التقليدية للبطولة
من أبرز تجليات الواقعية الحديثة ظهور ما يُعرف بالبطل المضاد، وهو الشخصية التي لا تمتلك الصفات البطولية التقليدية، بل قد تكون ضعيفة أو مترددة أو حتى أخلاقياً ملتبسة. ومع ذلك، تصبح هذه الشخصية محور الحكاية، لأنها تعكس تعقيد الإنسان المعاصر.
هذا النموذج من البطولة يعكس تحوّلًا فلسفيًا في فهم الإنسان، حيث لم يعد يُنظر إليه ككائن مثالي، بل ككائن متناقض يحمل في داخله الخير والشر في آن واحد. وقد ساهم هذا الاتجاه في تقديم شخصيات أكثر عمقًا وواقعية، ما جعل السينما أقرب إلى الحياة.
المنصات الرقمية: توسيع أفق الواقعية
مع ظهور المنصات الرقمية وانتشار الإنتاجات المستقلة، ازدادت فرص تقديم قصص واقعية تتناول تفاصيل الحياة اليومية. فقد أتاحت هذه المنصات مساحة لعرض تجارب إنسانية متنوعة، بعيدًا عن القيود التجارية التي كانت تفرضها شركات الإنتاج الكبرى.
كما ساهمت هذه البيئة الجديدة في تعزيز حضور الشخصيات المهمشة، مثل الأقليات الاجتماعية أو الثقافية، ما جعل مفهوم البطولة أكثر شمولاً وتنوعًا.
الواقعية والذاكرة الجماعية
لم تقتصر أهمية الواقعية السينمائية على الجانب الفني، بل لعبت دورًا مهمًا في توثيق الذاكرة الجماعية للشعوب. فقد أصبحت السينما وسيلة لحفظ التجارب الإنسانية، سواء كانت مرتبطة بالحروب أو التحولات الاجتماعية أو التغيرات الثقافية.
وعندما تتحول الكاميرا إلى شاهد، فإنها لا تروي الحكاية فقط، بل تحفظها للأجيال القادمة، لتصبح السينما جزءًا من التاريخ الإنساني.
بين الجمال والصدق: جدلية الفن والواقع
رغم هيمنة الواقعية في السينما المعاصرة، ما زال الجدل قائمًا حول حدود العلاقة بين الفن والواقع. فبينما يرى البعض أن السينما يجب أن تعكس الحياة كما هي، يرى آخرون أن دور الفن هو إعادة تشكيل الواقع وإضفاء بعد جمالي عليه.
غير أن الواقعية الحديثة أثبتت أن الصدق يمكن أن يكون شكلاً من أشكال الجمال، وأن تصوير الحياة اليومية بكل بساطتها قد يحمل قوة تأثير تفوق أحيانًا أعظم المؤثرات البصرية.
مستقبل البطل في السينما
يبدو أن مفهوم البطل سيستمر في التحول مع تغير المجتمعات والتطور التكنولوجي. فمع دخول الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي إلى عالم السينما، قد تظهر أشكال جديدة من السرد البصري، تعيد طرح السؤال القديم حول دور الكاميرا: هل هي راوٍ يصنع الحكاية، أم شاهد يوثّقها؟
غير أن التجربة الإنسانية ستظل محور السينما، لأن الإنسان هو الحكاية الأقدم والأكثر تعقيدًا في التاريخ.
خاتمة: السينما بوصفها مرآة الإنسان
إن التحول من البطل الأسطوري إلى الإنسان العادي لم يكن مجرد تغيير في بناء الشخصيات، بل كان انعكاسًا لتحول عميق في وعي الإنسان بذاته. فقد أدركت السينما أن البطولة الحقيقية لا تكمن في الانتصار على الآخرين، بل في القدرة على مواجهة الحياة بكل ما تحمله من تناقضات.
وعندما تصبح الكاميرا شاهدًا لا راوياً، فإنها تمنح المشاهد فرصة لرؤية العالم كما هو، بكل جماله وقسوته. وهكذا تتحول السينما من مجرد وسيلة ترفيه إلى تجربة إنسانية عميقة، تطرح الأسئلة بدل أن تقدم الإجابات، وتكشف هشاشة الإنسان بدل أن تخفيها خلف صور البطولة المثالية.
وفي هذا التحول تكمن قوة السينما الحديثة، لأنها لم تعد تحكي قصص الأبطال فقط، بل أصبحت تحكي قصة الإنسان ذاته، بكل ما فيها من ضعف وأمل وصراع مستمر من أجل البقاء.

