×

نتفليكس وصناعة البروباغندا: كيف تُعيد المنصات تشكيل الوعي العالمي؟

نتفليكس وصناعة البروباغندا: كيف تُعيد المنصات تشكيل الوعي العالمي؟

بقلم: آية علي الزين

في الماضي، كانت الحكومات تعتمد على الصحف الرسمية والإذاعات الوطنية والأفلام الدعائية لتوجيه الرأي العام وصناعة صورة محددة عن العالم. أما اليوم، فقد تغيّرت الأدوات، وأصبحت منصات البث الرقمي لاعبًا مركزيًا في تشكيل الوعي الجماعي. وفي مقدمة هذه المنصات تأتي Netflix، التي تحوّلت من خدمة ترفيهية إلى قوة ثقافية عالمية قادرة على التأثير في الأفكار والقيم والتصورات السياسية لمئات الملايين حول العالم. Netflix

من الترفيه إلى القوة الناعمة

قد يبدو للمشاهد أنه يختار ما يريد مشاهدته بحرية كاملة، لكن المحتوى الذي يُقدَّم له لا يأتي بمعزل عن منظومة اقتصادية وثقافية معقدة. فكل مسلسل أو فيلم يحمل ضمنيًا رؤية معينة للعالم، سواء في طريقة تصوير التاريخ، أو تمثيل الشعوب، أو تعريف الخير والشر، أو تقديم قضايا الهوية والسياسة.

وهنا يصبح الترفيه وسيلة فعالة للقوة الناعمة؛ أي القدرة على التأثير في الآخرين من خلال الثقافة والقيم بدلًا من الإكراه المباشر. ومن خلال انتشارها العالمي وإنتاجها المتعدد اللغات، أصبحت نتفليكس إحدى أبرز أدوات هذا التأثير الثقافي في العصر الحديث.

ما هي البروباغندا الحديثة؟

عندما تُذكر كلمة “بروباغندا”، يتبادر إلى الذهن خطاب سياسي مباشر أو شعارات أيديولوجية واضحة. لكن البروباغندا الحديثة غالبًا ما تكون أكثر نعومة وذكاءً؛ إذ لا تُقدَّم على شكل أوامر، بل من خلال قصص وشخصيات ومشاعر تجعل الرسالة تبدو طبيعية وبديهية.

فبدلًا من القول للمشاهد ماذا يفكر، يُعاد تشكيل تصوراته تدريجيًا حول:

  • من هو الضحية ومن هو المعتدي.
  • أي القيم تُعدّ “تقدمية” أو “رجعية”.
  • أي المجتمعات تُصوَّر باعتبارها متحضرة أو متخلفة.
  • أي الأحداث التاريخية تُبرز وأيها تُهمَّش.

كيف تؤثر نتفليكس في الوعي؟

1. إعادة سرد التاريخ

تنتج المنصة أعمالًا تستند إلى أحداث واقعية أو سياسية، وغالبًا ما تقدّم تفسيرًا محددًا للتاريخ. ومع الوقت، تصبح هذه الأعمال لدى كثير من المشاهدين مصدرًا لفهم الماضي، حتى عندما تتضمن تبسيطًا أو انتقاءً أو تحيزًا.

2. تشكيل صورة الآخر

تؤثر الأعمال الدرامية في الطريقة التي يرى بها الجمهور دولًا وشعوبًا وثقافات مختلفة. وقد تُقدَّم بعض الأطراف بوصفها عقلانية وإنسانية، بينما تُختزل أطراف أخرى في صور نمطية مرتبطة بالعنف أو التخلف.

3. تطبيع الأفكار

تساهم الدراما في جعل بعض المفاهيم مألوفة ومقبولة عبر التكرار والتعاطف مع الشخصيات التي تتبناها، حتى دون طرحها في إطار جدلي مباشر.

4. قوة الخوارزميات

لا تقتصر عملية التأثير على الإنتاج الفني نفسه، بل تمتد إلى الخوارزميات التي تقترح للمستخدم ما “قد يعجبه”، فتكرّس أنماطًا متشابهة من المحتوى وتعيد إنتاج منظورات محددة للعالم.

هل هذا يعني أن نتفليكس أداة دعائية؟

ليس بالضرورة أن يكون كل محتوى دعائيًا أو موجّهًا بشكل مباشر. لكن المنصات الكبرى تعمل داخل سياقات ثقافية واقتصادية وسياسية تؤثر في ما يُنتج، وما يُروَّج له، وما يُمنح الانتشار الأكبر. وعندما تصبح منصة واحدة قادرة على الوصول إلى جمهور عالمي هائل، فإن تأثيرها الثقافي يتجاوز حدود الترفيه.

السؤال الأهم ليس ما إذا كانت نتفليكس “تتآمر”، بل كيف تساهم خياراتها التحريرية وخوارزمياتها وسردياتها في تشكيل تصورات الجمهور عن التاريخ والسياسة والهوية.

المشاهد ليس متلقيًا سلبيًا

رغم قوة المنصات، يبقى الجمهور قادرًا على التفكير النقدي والمقارنة بين المصادر. فالخطر الحقيقي لا يكمن في مشاهدة عمل واحد، بل في تلقي رواية واحدة للعالم دون مساءلة أو تحليل.

ومن هنا تنبع أهمية الثقافة الإعلامية التي تساعد المشاهد على طرح أسئلة أساسية:

  • من يروي هذه القصة؟
  • ما الذي تم إبرازه أو إغفاله؟
  • أي قيم يجري تطبيعها؟
  • كيف تؤثر طريقة السرد في مشاعري ومواقفي؟

بين الثقافة والهيمنة

لطالما كانت السيطرة على السرد جزءًا أساسيًا من النفوذ السياسي. واليوم، لم تعد الهيمنة الثقافية تحتاج إلى خطاب مباشر؛ يكفي مسلسل ناجح أو فيلم واسع الانتشار أو خوارزمية ذكية لإعادة تشكيل الصور الذهنية والقيم والتصورات.

وفي عالم تتنافس فيه الدول والشركات على التأثير، تصبح المنصات الرقمية ساحات مركزية لصناعة الوعي، حيث قد يكون من يروي القصة أكثر تأثيرًا ممن يمتلك القوة المادية وحدها.

لم تعد البروباغندا تُقدَّم في شكل شعارات صريحة، بل أصبحت تتسلل عبر القصص والصور والخوارزميات. ومع ما تتمتع به نتفليكس من انتشار عالمي وقدرة إنتاجية هائلة، فإنها تؤدي دورًا مؤثرًا في تشكيل الوعي الثقافي والسياسي المعاصر.

لذلك، لا يكفي أن نسأل ماذا نشاهد، بل يجب أن نسأل أيضًا: كيف تُبنى هذه الروايات؟ ومن يختارها؟ ولأي غاية؟ لأن السيطرة على السرد لا تقل أهمية عن السيطرة على الحدث نفسه.

اعلامية وباحثة في مجال الإعلام، حاصلة على درجة الماجستير في الإعلام والتواصل الجماهيري والدراسات السينمائية. متخصصة في تفكيك البروباغندا وكشف أبعادها الأيديولوجية. ومؤسِّسة مجلة "فكر وخبر". تهتم بالكتابة في قضايا السياسة والفكر والثقافة والإعلام.