صناعة الإجماع الوهمي في البيئة الرقمية وآليات التأثير السياسي
دراسة نظرية تحليلية في الحسابات المنسّقة وأسراب الذكاء الاصطناعي
الباحثة: آية علي الزين
الملخص
تتناول هذه الورقة ظاهرة صناعة الإجماع الوهمي في البيئة الرقمية، أي إنتاج مظهر مضلّل لوجود تأييد شعبي واسع لموقف أو قضية عبر نشاط حسابات تُقدَّم بوصفها مستقلة، فيما يجمعها تنسيق خفي أو تشغيل آلي. تنطلق الدراسة من مشكلة أساسية: لم يعد قياس الرأي العام في المنصات الاجتماعية قائمًا على قراءة ما يقوله المستخدمون فحسب؛ فالأرقام والتعليقات وإشارات التفاعل أصبحت هي نفسها قابلة للتصنيع والتوجيه. تعتمد الورقة منهجًا نظريًا تحليليًا يقوم على قراءة نقدية لمجموعة منتقاة من الأدبيات الكلاسيكية والبحوث التجريبية الحديثة، مع التمييز بين الأدلة المثبتة على أثر التأثير الاجتماعي، والأدلة التي تكشف شبكات التنسيق، والتوقعات البحثية المتعلقة بأسراب الذكاء الاصطناعي. وتقدّم نموذجًا تفسيريًا من ست مراحل يوضح كيف ينتقل التأييد المصطنع من إنتاج الحسابات والرسائل إلى التأثير المحتمل في إدراك الأغلبية والمشاركة العامة. وتخلص المناقشة إلى أن خطورة الظاهرة لا تتوقف على صحة الرسائل المنشورة؛ فقد يقع التضليل في هوية المتحدثين واستقلالهم وحجم التأييد الذي يدّعون تمثيله. كما تؤكد أن رصد النشاط المنسّق لا يبرهن وحده على تغيّر المواقف السياسية لدى الجمهور، وهو ما يستدعي دراسات تجريبية ومقارنة في البيئات العربية.
الكلمات المفتاحية: الإجماع الوهمي، الإجماع الاصطناعي، الرأي العام، البروباغندا الرقمية، الحسابات المنسّقة، أسراب الذكاء
مقدمة
قد يرى مستخدم إحدى المنصات خبرًا سياسيًا يثير الجدل، فيتجه إلى التعليقات ليتعرّف إلى ردود الفعل. يجد مئات الأصوات التي تكرر موقفًا متقاربًا، وإشارات إعجاب كثيرة، وحسابات تتحدث بثقة عن أن «الناس كلها» باتت مقتنعة به. قد يختلف المستخدم مع هذا الموقف، لكنه يبدأ بالتساؤل عمّا إذا كان رأيه أصبح معزولًا. لا تحتاج هذه اللحظة إلى كذبة واضحة عن الحدث نفسه. يكفي أن يبدو التأييد واسعًا وطبيعيًا حتى يتحول المشهد الرقمي إلى قرينة اجتماعية تؤثر في تقدير الناس لما يعتقده الآخرون.
تتيح المنصات الرقمية التعبير عن المواقف ومراقبة المواقف المقابلة بصورة متزامنة، إلا أن هذا الحضور الظاهر لا يساوي بالضرورة تمثيلًا دقيقًا للرأي العام. فالمستخدمون لا يشاركون بالمعدّل نفسه، والخوارزميات لا تعرض المحتوى وفق قواعد تمثيلية، والحسابات قد تُدار أفرادًا أو جماعات أو برمجيات. تُضاف إلى ذلك الحملات المنظّمة التي تتعمد إخفاء صلتها بمصدر سياسي أو اقتصادي، فتقدّم نشاطًا موجّهًا على أنه تحرك تلقائي من المواطنين. أُطلق على هذا النمط في الأدبيات اسم «التأييد الشعبي المصطنع» أو Astroturfing، ودرسته بحوث بالاستناد إلى آثار التنسيق بين الحسابات (Schoch et al., 2022).
جعل الذكاء الاصطناعي التوليدي السؤال أكثر تعقيدًا. فإنتاج التعليقات المتنوعة، وصياغة شخصيات رقمية متماسكة، وتكييف الخطاب مع سياق النقاش، لم تعد جميعها تتطلب العدد نفسه من العاملين أو الوقت الذي احتاجته الحملات السابقة. وفي عام 2026، حذّر باحثون في مجلة Science من إمكانية استخدام أسراب من الوكلاء الاصطناعيين لإنتاج مظاهر توافق زائفة داخل المجتمعات الرقمية (Schroeder et al., 2026). ذلك تحذير بحثي بشأن قدرة آخذة في التشكل، ولا يصح التعامل معه باعتباره دليلًا على وقوع كل سيناريو متصور بالفعل.
تسعى هذه الورقة إلى تفكيك العلاقة بين ثلاثة مستويات يجري الخلط بينها كثيرًا: صناعة النشاط الرقمي، وتكوين الانطباع عن رأي الأغلبية، وتغيير الموقف السياسي أو السلوك الفعلي. فإثبات وجود حملة حسابات منسقة يختلف منهجيًا عن إثبات نجاحها في الإقناع. ومن هنا تأتي الحاجة إلى قراءة تجمع بين نظريات الرأي العام، ونتائج الدراسات التجريبية، والبحوث المتعلقة بالدعاية الحسابية.
أولًا: مشكلة الدراسة
تتمثل مشكلة الدراسة في تفسير الكيفية التي يمكن أن تتحول بها مؤشرات التفاعل الرقمية إلى صورة زائفة عن حجم التأييد الاجتماعي، وما قد يترتب عليها من ضغط رمزي على الأفراد والنقاش السياسي. وفي هذا السياق، يصبح التضليل متعلقًا بتمثيل مصدر الرأي وانتشاره، حتى عندما يكون مضمون بعض التعليقات صحيحًا أو قابلًا للنقاش.
تطرح الدراسة سؤالًا رئيسيًا: كيف تُصنع صورة الأغلبية الوهمية في المنصات الرقمية، وما الآليات التي تتيح لها التأثير في إدراك الجمهور للمناخ السياسي؟ ويتفرع منه ثلاثة أسئلة: كيف تختلف المشاركة العفوية عن النشاط المنسّق المتخفي؟ وما العلاقة الممكنة بين مشهد الإجماع الظاهر وبين استعداد المستخدم لإعلان موقف مخالف؟ وكيف غيّر الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرة الحملات على محاكاة أصوات اجتماعية متعددة؟
تنبع أهمية هذه الأسئلة من اتساع المسافة بين ما يمكن قياسه على الشاشة وما يمكن استنتاجه عن المجتمع. عدد التعليقات ليس استطلاع رأي، وكثرة الحسابات لا تعني كثرة الأشخاص، وتصدر وسمٍ معين لا يثبت وحده امتلاك الموقف الذي يروّجه أغلبية اجتماعية. هذه الفروق تبدو بديهية نظريًا، لكنها تُهمل عند تحويل التفاعل الرقمي إلى عناوين صحفية أو أحكام سياسية.
ثانيًا: المنهج وحدود الدراسة
تعتمد الورقة المنهج النظري التحليلي، من خلال مراجعة سردية نقدية لأعمال علمية مختارة تناولت دوامة الصمت والتأثير الاجتماعي والتأييد الشعبي المصطنع والحسابات المنسّقة وتقنيات الإقناع بالذكاء الاصطناعي. تغطي المراجع المؤسِّسة النظرية منذ عام 1974، مع تركيز على الدراسات المنشورة بين 2022 و2026. جرى اختيار الأعمال بحسب صلتها المباشرة بمراحل الظاهرة، ونوع الدليل الذي توفره، وتوافر بيانات نشر موثوقة لها. لا تدّعي هذه المراجعة أنها مسح منهجي شامل لكل ما نُشر في المجال.
تجري المقارنة بين نتائج تجارب تقيس تأثير الإشارات الاجتماعية في الأفراد، وتحليلات شبكات تكشف أنماط النشاط غير الأصيل، ومقالات نظرية تستشرف قدرات الوكلاء الاصطناعيين. وتُستخدم هذه المقارنة لبناء نموذج تفسيري مقترح، وليس لاستخراج تقدير كمي لانتشار الإجماع المصطنع في بلد أو منصة معينة. لم تُجمع عينة منشورات جديدة، ولم تُنفذ تجربة على مشاركين؛ ولذلك فإن الاستنتاجات تخص تفسير الآليات وحدود الأدلة المتاحة، ولا تُعرض بوصفها نتائج ميدانية أصلية.
ثالثًا: من الرأي العام إلى مظهر الرأي العام
– إدراك الأغلبية ودوامة الصمت
تفترض نظرية دوامة الصمت، التي صاغتها إليزابيث نويل نيومان، أن تقدير الفرد لمناخ الرأي يؤثر في استعداده لإعلان موقفه، ولا سيما عندما يخشى العزلة الاجتماعية. يراقب الفرد الإشارات المحيطة به ليستدل على الآراء الصاعدة والمتراجعة، وقد يلتزم الصمت إذا اعتقد أن رأيه لم يعد يحظى بالقبول (Noelle-Neumann, 1974). بهذا المعنى، لا يرتبط التعبير العلني بحجم الاقتناع الداخلي وحده، بل بتصور الفرد لتوزع المواقف بين الآخرين.
في المنصات الرقمية، تُقدَّم هذه الإشارات باستمرار: عدد الإعجابات، وترتيب التعليقات، وتكرار العبارات، وظهور الوسوم في قوائم التداول. والمشكلة أن تلك المؤشرات تقيس سلوكًا داخل نظام تقني خاضع لآليات ظهور وانتقاء، ولا تكشف تمثيلًا إحصائيًا للمجتمع. فإذا جرى تضخيمها عمدًا، أمكن للحملة التأثير في تقدير المستخدم للغالبية المفترضة قبل أن تحاول تغيير اقتناعه بالقضية ذاتها. ومع ذلك، لا يمكن افتراض أن كل مستخدم سيلتزم الصمت؛ فالهوية السياسية القوية، والثقة بالمجموعة المقابلة، ومعرفة أساليب التلاعب قد تدفعه إلى الاعتراض العلني.
– الأثر الاجتماعي للأرقام
قدّم Muchnik وزميلاه تجربة عشوائية واسعة على موقع لتجميع الأخبار الاجتماعية، أظهرت أن التقييمات السابقة تؤثر في قرارات التقييم اللاحقة، وأن إشارة تأييد إيجابية أولية استطاعت دفع تقييمات لاحقة في الاتجاه نفسه (Muchnik et al., 2013). تدعم هذه النتيجة فكرة أن ما يراه الأفراد من أحكام سابقة يمكن أن يغيّر سلوكهم داخل المنصة. لكنها لا تثبت، بمفردها، أن شبكات الحسابات الاصطناعية تستطيع قلب المواقف الانتخابية أو تحويل رأي أقلية إلى رأي أغلبية في المجتمع.
هنا يظهر الفارق بين قياس التفاعل وقياس الاعتقاد. قد يضغط مستخدم زر الإعجاب لأن تعليقًا يبدو رائجًا، أو يعيد نشره للمشاركة في نقاش ساخن، من دون أن يغيّر رأيه السياسي الأساسي. لذلك ينبغي أن يميّز البحث بين ثلاثة مؤشرات: السلوك الظاهر، وتصور الفرد لاتجاه الجمهور، وموقفه الخاص الذي يمكن قياسه بأداة مستقلة.
رابعًا : كيف يُصنع الإجماع الوهمي
– إخفاء مصدر التأييد
تبدأ الحملات المنظمة غالبًا من إرباك العلاقة بين صاحب الرسالة الظاهر والجهة التي تقف وراءها. فقد تظهر مجموعة حسابات بأسماء وصور وسير شخصية متباينة، بينما ترتبط بتوجيه واحد. هذا ما يجعل التأييد الشعبي المصطنع مختلفًا عن حملة سياسية معلنة؛ إذ لا تكمن المشكلة في تأييد موقف سياسي، بل في تمويه التنظيم وتقديم أصوات مرتبطة بوصفها مستقلة. وقد وجد Schoch وزملاؤه في تحليل حملات كُشف عنها أن أنماط النشر وإعادة النشر المتزامنة تترك آثارًا يمكن رصدها على مستوى الشبكة (Schoch et al., 2022).
لا يشترط التنسيق أن تكون الرسائل متطابقة حرفيًا. قد يوزّع القائمون على الحملة صيغًا متعددة للموقف نفسه، ويبدّلون مفرداته، وينشرونه عند لحظات تستقطب اهتمام الجمهور. في دراسة لبيانات متعددة اللغات عن الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2017، حدّد Burghardt وزملاؤه خصائص لنشاط حسابات منسّقة، منها التفاعل المكثف في توقيت سياسي حساس وإعادة الترويج لحسابات من المجموعة نفسها (Burghardt et al., 2024). وهكذا يمكن للتكثيف الزمني أن يمنح موقفًا محدود المصدر هيئة نقاش عام واسع.
في حالات كهذه، يصبح «من يتكلم؟» سؤالًا لا يقل أهمية عن «ماذا يقول؟». فالقارئ قد يمنح تعليق مواطن عادي دلالة اجتماعية مختلفة عن إعلان صادر عن حزب أو مؤسسة. وإذا أُخفيت العلاقة التنظيمية، انتقلت الرسالة إلى الجمهور مقرونة بادعاء ضمني بالاستقلال. ويصعب تفكيك هذا الادعاء بالتحقق من صحة المعلومات الواردة في التعليق فقط.
– التكرار المتنوع والتوقيت
أمّا التكرار المتنوع فيؤدي وظيفة مختلفة عن تكرار النص نفسه. تنويع اللهجات والصور والأساليب يوحي بأن أشخاصًا مستقلين توصلوا إلى النتيجة نفسها من طرق مختلفة. ويستحق هذا الأسلوب دراسة خاصة لأن أنظمة الكشف التقليدية التي تبحث عن التطابق النصي قد تتعامل معه بصورة أقل فاعلية. ومع ذلك، لا يكفي تشابه الموقف أو النشر المتقارب زمنيًا لاتهام الحسابات بالتنسيق؛ فالأحداث الكبرى تنتج تعبئة حقيقية ومتزامنة أيضًا.
التضخيم الخوارزمي وانتقال الأثر بين المنصات
تسهم خوارزميات ترتيب المحتوى في زيادة حضور المنشورات التي تتلقى تفاعلًا، لكن درجة هذا الأثر تختلف بحسب المنصة وتصميمها. تستطيع حملة منسّقة، في بعض الظروف، منح مادة ما دفعة أولية من الإعجابات والمشاركات؛ ومن ثم قد يراها مستخدمون آخرون لم يكونوا جزءًا من الحملة. وتُظهر دراسة Cinus وزملائه بشأن انتخابات الولايات المتحدة 2024 أن النشاط المنسّق قد يتجاوز حدود منصة واحدة، بما يساعد على تداول المحتوى ذاته عبر مسارات متصلة (Cinus et al., 2025).
حين ينتقل الموضوع من حسابات مجهولة إلى حسابات معروفة، ثم إلى تغطية صحفية تصفه بأنه «ترند» أو «موجة شعبية»، تتسع الفجوة بين المصدر الأصلي وبين صورته المتداولة. هنا يحتمل أن يتخذ الادعاء بالتأييد شكل دليل على نفسه: يُقال إن الموقف واسع الانتشار لأنه رائج، ويُعدّ رائجًا لأن منشورات كثيرة أعادت تكراره. وهذه حلقة تفسيرية ينبغي فحصها بأدلة مستقلة، لا إعادة إنتاجها في العمل الصحفي.
خامسًا: الذكاء الاصطناعي وتحول الحسابات إلى أسراب
أدخلت النماذج اللغوية الكبيرة إمكانات جديدة إلى إنتاج الرسائل الرقمية. يمكنها صياغة تعليقات بلهجات متعددة، وتقديم حجج مختلفة للجمهور المستهدف، وتعديل الردود وفق مسار الحوار. وأظهرت تجارب منشورة في Nature Communications على 4829 مشاركًا أن رسائل مولّدة بالنماذج اللغوية أحدثت تغيّرًا ملحوظًا في المواقف تجاه قضايا سياسية مقارنة برسائل حيادية، وكانت فعاليتها العامة قريبة من رسائل كتبها أشخاص غير متخصصين (Bai et al., 2025). يدعم ذلك القدرة الإقناعية للنص الاصطناعي في ظروف التجربة، لكنه لا يقيس مباشرة تأثير إجماع وهمي من آلاف الحسابات.
التحوّل الأكثر إثارة للقلق يتمثل في الانتقال من حسابات تُدار بتعليمات ثابتة إلى مجموعات وكلاء اصطناعيين تستطيع التنسيق والتكيف مع التفاعل. استخدم Schroeder وزملاؤه مصطلح «الأسراب الخبيثة» لوصف نظام من شخصيات اصطناعية متعاونة يمكن توجيهها لتقليد سلوك مجموعات بشرية وإيهام الجمهور بوجود توافق واسع (Schroeder et al., 2026). ويختلف هذا التصور عن الشبكات القديمة التي تكتفي بإعادة نشر رسالة موحدة؛ فالأسراب قد تشارك في أخذ وردّ متصل وتغيّر أسلوبها بناء على ردود الآخرين.
ينبغي هنا توضيح مستوى الدليل. تمثل ورقة Science تحليلًا للمخاطر الناشئة وتصورًا للآليات الوقائية؛ وهي ليست دراسة ميدانية تثبت وقوع التأثير نفسه في كل بيئة. أما الدراسات المتعلقة بالكشف فتؤكد استمرار صعوبة التمييز بين الحسابات البشرية والآلية. أظهر Giroux وزملاؤه أن وسائل الكشف المختلفة قد تختلف في تصنيف الحساب الواحد، ودعوا إلى التعبير عن درجة عدم اليقين بدل إصدار أحكام قطعية (Giroux et al., 2025). كما تناول Di Paolo وزميلاه طرائق لكشف الحسابات المدعومة بالنماذج اللغوية (Di Paolo et al., 2025).
بناءً على ذلك، يصبح فحص الإجماع المصطنع أكثر دقة عندما يجمع الباحث بين عدة مستويات: صلات الحسابات ببعضها، وتوقيت نشاطها، وتطور خطابها، ومصادر تمويلها أو إدارتها عند إمكان التحقق منها. ولا يصح اتخاذ استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة تعليق دليلًا تلقائيًا على وجود حملة تضليل؛ فقد يستعين مستخدم حقيقي بهذه الأدوات لتحسين لغته من دون إخفاء هوية منظمة أو فبركة أغلبية.
سادسًا: نموذج تفسيري مقترح لدورة صناعة الأغلبية
تستخلص الورقة من الربط بين الأدبيات نموذجًا تحليليًا مقترحًا يتألف من ست مراحل. لا يُقدَّم النموذج كقانون تجريبي جرى التحقق منه، بل كأداة لتنظيم الأسئلة وملاحظة مسار التأثير المحتمل عند دراسة حالات فعلية.
المرحلة الأولى هي بناء الهويات الظاهرية. تُنشأ حسابات أو تُحشد هويات رقمية قائمة لتبدو مستقلة، مع اختلاف نسبي في الأسماء والصور واللغة. وفي المرحلة الثانية، يُنتج عدد كبير من المداخلات المتفقة حول موقف محدد، مع تنويع صيغها وتوزيع أدوارها بين مؤيد يسأل وآخر يجيب وثالث يؤكد أن الموقف أصبح شائعًا.
تأتي المرحلة الثالثة عبر تضخيم الظهور: نشر متزامن، وإعادة مشاركة، ومحاولة الحصول على مواقع متقدمة في النقاش. ثم تنتقل العملية إلى المرحلة الرابعة، وهي تكوين إدراك لدى المتلقي بأن ما يراه يعكس اتجاهًا اجتماعيًا واسعًا. لا تُستنتج هذه المرحلة من عدد المنشورات وحده، بل تحتاج إلى قياس كيف يفسّرها الجمهور.
في المرحلة الخامسة يمكن أن يظهر ضغط على التعبير المخالف، عندما يتردد بعض الأفراد في إعلان آرائهم بسبب تقديرهم أن موقفًا آخر يهيمن على النقاش. ويستعيد النموذج هنا فكرة دوامة الصمت مع إدراك أن الاستجابة قد تكون معاكسة لدى فئات أخرى. أما المرحلة السادسة فتتمثل في انتقال أثر التفاعل إلى دوائر أوسع، عندما تتعامل وسائل إعلام أو جهات سياسية مع الضجة الرقمية بوصفها مؤشرًا على الرأي العام. بهذه الخطوة قد تحصل صورة الأغلبية المصطنعة على شرعية إضافية خارج الموقع الذي بدأت فيه.
يساعد هذا النموذج أيضًا على تحديد نقاط الانقطاع المحتملة. فقد تفشل الحملة في اكتساب ظهور كافٍ، أو يكتشف المستخدمون التنسيق، أو لا يربط الجمهور كثافة الرسائل بوجود أغلبية، أو لا يترتب على هذا الاعتقاد أي تبدل سلوكي. لذلك لا يصح افتراض اكتمال المراحل الست في كل حالة. وتكمن فائدته البحثية في توجيه القياس إلى الصلة بين كل مرحلة وأخرى بدل الاكتفاء بإحصاء الحسابات المشبوهة.
سابعًا: التأثير في النقاش العام والحدود الأخلاقية
يمكن للإجماع الوهمي أن يخلّ بتكافؤ الظهور بين أطراف النقاش السياسي. فصاحب الرأي الذي يملك جهازًا تنظيميًا أو قدرة تقنية على تشغيل عدد كبير من الحسابات قد يحجز مساحة في التعليقات أكبر من المساحة التي يتيحها له حجمه الاجتماعي الحقيقي. وتصبح المشكلة مضاعفة عندما يقيّم صحفيون أو مراقبون درجة التأييد وفق هذه المؤشرات وحدها. عندئذٍ لا يقتصر الخلل على إقناع الجمهور، بل يمتد إلى طريقة وصف المجتمع أمام نفسه.
تقدم دراسة Dorsch وزملائه تحليلًا فلسفيًا حديثًا لدور خوارزميات التفاعل في تشكيل إحساس المستخدم بالثقة في أحكامه، حين تُقدَّم له المعلومات ضمن بيئة تعزز سهولة تلقيها وملاءمتها لتوقعاته (Dorsch et al., 2026). ومن الممكن أن يتفاعل هذا المسار مع الإجماع المصطنع: فالتكرار الواثق من حسابات كثيرة قد يجعل الموقف مألوفًا ويمنحه قوة اجتماعية زائدة. لكن هذه علاقة تفسيرية تحتاج إلى اختبار تجريبي مستقل، ولا ترد بوصفها أثرًا محسومًا لكل حملة.
تثير مكافحة الظاهرة بدورها إشكالًا لا يجوز تجاهله. فالحملات الشعبية الحقيقية قد تنسق توقيت نشرها وتستخدم وسومًا مشتركة، وقد يعمل أشخاص مجهولو الهوية لأسباب تتصل بحمايتهم الشخصية. إذا استُخدمت أدوات الكشف على نحو متسرع، فقد تتحول تهمة «الحساب الآلي» أو «الحملة المنسّقة» إلى ذريعة لإسكات مشاركة مشروعة. لهذا يجب التفريق بين التنسيق المعلن والممارسة الخادعة التي تتخفى عمدًا وراء ادعاء الاستقلال، كما ينبغي إتاحة مراجعة بشرية ووسائل اعتراض على قرارات المنصات.
أما الصحافة، فلا يكفيها نقل أرقام المشاهدة والإعجاب بوصفها تعبيرًا عن موقف الشارع. يمكنها أن تصف النشاط كما هو، مع بيان حدود الاستدلال منه، ومقارنته باستطلاعات رأي ذات عينات معروفة أو مقابلات وشهادات مستقلة عندما يكون ذلك متاحًا. إن التعامل النقدي مع «الترند» جزء من مسؤولية التحقق، لأن حقيقة الخبر تشمل مصدره وطريقة انتشاره، لا مضمون العبارة وحده.
ثامنًا: المناقشة والآفاق البحثية
تسمح الأعمال التي جرت مراجعتها باستخلاص ثلاث نتائج تحليلية مترابطة، لكل منها مرتبة مختلفة من اليقين. أولًا، توجد أدلة تجريبية على أن إشارات التقييم الاجتماعي السابقة تستطيع التأثير في سلوك المستخدم داخل بعض البيئات الرقمية؛ وقد أظهرت دراسة Muchnik وزملائه ذلك في سياق محدد. ثانيًا، كشفت بحوث شبكية عن حملات تخلق مظهر مشاركة شعبية مستقلّة على الرغم من وجود تنسيق خفي، ووفرت مؤشرات لكشف آثار هذا التنسيق (Schoch et al., 2022; Burghardt et al., 2024). ثالثًا، تجعل أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج الرسائل المقنعة وتنوّع الشخصيات الرقمية أكثر قابلية للتوسع، فيما تظل فعالية الأسراب الاصطناعية في صناعة رأي أغلبية مستقر موضع بحث وتحقق (Bai et al., 2025; Schroeder et al., 2026).
تظهر فجوة واضحة عند الانتقال من رصد البنية التقنية إلى قياس الأثر الاجتماعي. فالأبحاث التي تكشف شبكات حسابات منسّقة لا تخبرنا بالضرورة كيف تغيّر تصور مستخدم عربي عن رأي محيطه، أو ما إذا كان ذلك يدفعه إلى الصمت أو المجادلة. ومن الممكن سد هذه الفجوة بتصميم تجريبي تُعرض فيه على مجموعات من المشاركين مادة سياسية واحدة، مع تغيير مستقل ومدروس في عدد التعليقات المؤيدة وطبيعة الحسابات التي تظهرها، ثم قياس تصورهم لنسبة التأييد واستعدادهم للتعبير عن آرائهم. يحتاج تنفيذ تجربة كهذه إلى موافقة أخلاقية مناسبة ومحتوى محاكى لا يعرّض المشاركين للتضليل خارج سياق البحث.
ويمكن موازاة ذلك بتحليل شبكات منشورات عامة حول قضية واحدة في أكثر من منصة، مع توثيق أنماط التزامن والتشابه والروابط المتبادلة. ويجب أن تظل نتائج التصنيف احتمالية، وأن يتجنب الباحث إعلان أسماء أصحاب حسابات باعتبارهم جزءًا من عملية منظمة ما لم تتوافر أدلة مستقلة كافية. وتزداد أهمية هذه الاحتياطات عند دراسة النقاشات العربية، بسبب اختلاف اللهجات، والسخرية، والاستعمال المتغير للرموز والتعابير السياسية.
تدعو هذه الورقة أخيرًا إلى الفصل بين «الأغلبية بوصفها واقعًا اجتماعيًا» و«الأغلبية بوصفها انطباعًا مرئيًا». ففي المجتمع تتطلب معرفة توزيع المواقف وسائل قياس واضحة وحدودًا معلنة للعينة والخطأ؛ أما على الشاشة فيمكن لمؤشر واحد أن يجمع أصواتًا بشرية أصلية، وتفاعلًا منسقًا، وحسابات آلية، ومستخدمين لا يمثلون سوى شريحة نشطة من الجمهور. وعندما تختلط المستويات، يصبح وصف الرأي العام ذاته جزءًا من النزاع السياسي.
الخاتمة
أتاحت المنصات الرقمية للجمهور حضورًا مباشرًا في النقاشات السياسية، لكنها منحت الفاعلين المنظمين كذلك أدوات لإظهار مواقفهم بأحجام تتجاوز وزنهم الاجتماعي الحقيقي. تظهر صناعة الإجماع الوهمي عند هذه النقطة تحديدًا؛ إذ تُقدَّم أصوات متصلة فيما بينها على أنها شهادات مستقلة، ثم تُستخدم كثافتها لإقناع المتلقي بأنه يواجه رأي الأغلبية. وقد يظل محتوى بعض هذه الأصوات صحيحًا من حيث الوقائع، بينما يبقى الانطباع الذي تصنعه عن مصدر التأييد وحجمه مضللًا.
تساعد نظريات الرأي العام على فهم حساسية الإنسان للمناخ المحيط، وتوضح الدراسات التجريبية أن الإشارات الاجتماعية يمكن أن تغير بعض سلوكياته الرقمية. كما تبيّن أبحاث الشبكات أن التأييد الشعبي المصطنع يترك آثارًا قابلة للتحليل. ومع ظهور الوكلاء الاصطناعيين، بات من الضروري متابعة قدرة الحملات على إنتاج شخصيات متكيفة مع الحوار، والتمييز بين ما ثبت علميًا وما يظل احتمالًا يحتاج إلى الاختبار.
لا يُقاس استقلال النقاش العام بعدد الأصوات التي تظهر فيه فقط، بل بقدرة الجمهور على معرفة ما إذا كانت تلك الأصوات مستقلة حقًا. ولهذا تبدو الحاجة ملحّة إلى رفع شفافية المنصات بشأن النشاط المنسّق، وإتاحة بيانات مناسبة للباحثين مع حماية الخصوصية، وتطوير التحقق الصحفي من مؤشرات «الرواج»، إلى جانب دراسات عربية تختبر كيف يقرأ المستخدمون إشارات الإجماع وما يترتب عليها من سلوك. عندها يصبح السؤال عمن يصنع الأغلبية الظاهرة جزءًا من فهم الرأي العام، لا مجرد تفصيل تقني في إدارة الحسابات.
المراجع
Bai, H., Voelkel, J. G., Muldowney, S., Eichstaedt, J. C., & Willer, R. (2025). LLM-generated messages can persuade humans on policy issues. Nature Communications, 16, Article 6037. https://doi.org/10.1038/s41467-025-61345-5
Burghardt, K., Rao, A., Chochlakis, G., Sabyasachee, B., Guo, S., He, Z., Rojecki, A., Narayanan, S., & Lerman, K. (2024). Socio-Linguistic Characteristics of Coordinated Inauthentic Accounts. Proceedings of the International AAAI Conference on Web and Social Media, 18(1), 164–176. https://doi.org/10.1609/icwsm.v18i1.31305
Cinus, F., Minici, M., Luceri, L., & Ferrara, E. (2025). Exposing Cross-Platform Coordinated Inauthentic Activity in the Run-Up to the 2024 U.S. Election. Proceedings of The Web Conference 2025. https://arxiv.org/abs/2410.22716
Di Paolo, E., Petrocchi, M., & Spognardi, A. (2025). Detection of LLM-powered bots using image classification. First Monday, 30(5). https://doi.org/10.5210/fm.v30i5.13651
Dorsch, J., Coeckelbergh, M., & Vierkant, T. (2026). Does AI undermine democratic deliberation? How engagement algorithms hijack epistemic agency. Synthese, 208, Article 164. https://doi.org/10.1007/s11229-026-05820-6
Giroux, J., Ariyarathne, G., Nwala, A. C., & Fanelli, C. (2025). Unmasking social bots: How confident are we? EPJ Data Science, 14, Article 18. https://doi.org/10.1140/epjds/s13688-025-00536-y
Muchnik, L., Aral, S., & Taylor, S. J. (2013). Social influence bias: A randomized experiment. Science, 341(6146), 647–651. https://doi.org/10.1126/science.1240466
Noelle-Neumann, E. (1974). The spiral of silence: A theory of public opinion. Journal of Communication, 24(2), 43–51. https://doi.org/10.1111/j.1460-2466.1974.tb00367.x
Schoch, D., Keller, F. B., Stier, S., & Yang, J. (2022). Coordination patterns reveal online political astroturfing across the world. Scientific Reports, 12, Article 4572. https://doi.org/10.1038/s41598-022-08404-9
Schroeder, D. T., Cha, M., Baronchelli, A., Bostrom, N., Christakis, N. A., Garcia, D., Goldenberg, A., Kyrychenko, Y., Leyton-Brown, K., Lutz, N., Marcus, G., Menczer, F., Pennycook, G., Rand, D. G., Ressa, M., Schweitzer, F., Song, D., Summerfield, C., Tang, A., … Kunst, J. R. (2026). How malicious AI swarms can threaten democracy. Science, 391(6783), 354–357. https://doi.org/10.1126/science.adz1697


