×

نعرف ما يحدث… فهل نفهمه؟

نعرف ما يحدث… فهل نفهمه؟

آية علي الزين | افتتاحية «فكر وخبر»

قد نصل إلى نهاية يومٍ كامل ونحن نعرف عشرات الأخبار، من دون أن نستطيع تفسير واحدٍ منها. تابعنا التصريحات، وشاهدنا المقاطع، وقرأنا العناوين، وربّما شاركنا في نقاش حادّ حول بعضها. لكنّ سؤالًا بسيطًا يستطيع أن يكشف المسافة بين ما عرفناه وما فهمناه: كيف وصلنا إلى هنا؟

لهذا السؤال كلفة. إنّه يحتاج إلى وقت، وذاكرة، ومصادر متعدّدة، واستعداد لمراجعة الانطباع الأول. أمّا الخبر، فيصل سريعًا ومكتمل الهيئة: عنوان، وصورة، وعبارة مقتضبة تمنحنا شعورًا بأنّنا أمسكنا بالحدث. وما إن نحاول الاقتراب من تفاصيله، حتى يأتي حدث آخر يستدعي انتباهنا. تتراكم الوقائع، فيما تتقطّع الخيوط التي تصل بينها.

المشكلة أنّ الحدث حين ينفصل عن سياقه يصبح قابلًا لتفسيرات متناقضة، قد يبدو كلّ منها مقنعًا بمفرده. يمكن لتصريح أن يظهر اعتدالًا إذا قرأناه وحده، وتراجعًا إذا وضعناه إلى جانب موقف سابق. وقد يبدو قرار اقتصادي إجراءً تقنيًا، قبل أن نسأل عمّن يتحمّل كلفته ومن يستفيد منه. وبين لقطة صحيحة وقصّة ناقصة، يمكن أن يتشكّل انطباع مضلّل من دون اختلاق واقعة واحدة.

هنا تبدأ مسؤوليّة الصحافة. فدقّة المعلومة أساس العمل، لكنّها تفتح أسئلة أخرى: لماذا اختيرت هذه المعلومة لتتصدّر؟ ما الذي غاب عنها؟ مَن مُنح مساحة للكلام؟ ومَن جرى الحديث باسمه من دون أن يُسمَع صوته؟ إنّ ترتيب الوقائع، واختيار الكلمات، وتوزيع المساحات، قرارات تؤثّر في الصورة التي يصل إليها القارئ، حتى عندما تكون التفاصيل المنشورة صحيحة.

في التغطية السياسية، مثلًا، قد تتصدّر تصريحات المسؤولين، بينما تبقى آثار قراراتهم على حياة الناس في الهامش. نعرف ما قالوه عن التعليم، ولا نعرف بما يكفي كيف يعيش المعلّم أو كيف تصل التلميذة إلى مدرستها. نقرأ عن خطط التنمية، لكنّنا نفتقد أحيانًا متابعة ما أُنجز منها، وما تعثّر، وأسباب ذلك. وحين تكتفي الصحافة بتسجيل الوعود، تُترك للقارئ مهمّة البحث عن المسافة بينها وبين الواقع.

وللغة دور في هذه المسافة. فكلمات مثل «الإصلاح» و«الاستقرار» و«المصلحة العامة» تحمل إيحاءات إيجابية، لكنّ معناها يتحدّد في التفاصيل: أيّ إصلاح، وبأيّ أدوات، وعلى حساب مَن؟ وأيّ استقرار، ولمن يوفّر الأمان؟ يقتضي العمل الصحافي تفكيك هذه العبارات وربطها بإجراءات ونتائج يمكن مساءلتها. وكلّما بدا التعبير واسعًا ومطمئنًا، ازدادت الحاجة إلى سؤال دقيق.

أمّا القارئ، فيواجه عبئًا حقيقيًا. لا يستطيع أن يصبح خبيرًا في كلّ ملف، ولا أن يخصّص ساعات يومه للتحقّق من كلّ ما يمرّ أمامه. ولهذا فإنّ الدعوة إلى التفكير النقدي يجب أن ترافقها صحافة تساعده على ممارسته: تذكر مصادرها، وتشرح حدود معرفتها، وتفصل بين الوقائع والاستنتاجات، وتصحّح أخطاءها بوضوح. الثقة تُبنى بهذه الممارسة، وبقدرة الوسيلة على إظهار كيف وصلت إلى ما تقوله.

ويحتاج الفهم أيضًا إلى احتمال الأسئلة المفتوحة. ففي الساعات الأولى لحدث كبير، قد تتوافر معلومات تسمح بوصف ما جرى، من دون أن تكفي لتفسير أسبابه أو تقدير نتائجه. الاعتراف بذلك يحمي القارئ من يقين مستعجل، ويترك مجالًا للأدلّة اللاحقة. أمّا ملء الفراغات بالتوقّعات ثم تقديمها بوصفها حقائق، فيمنح القصّة تماسكًا ظاهريًا على حساب صدقيّتها.

من هنا، يحمل اسم «فكر وخبر» تصوّرًا للعمل الذي نريده: خبر نتحقّق منه، وفكر يسأل عن معناه وسياقه وأثره. نريد أن نقترب من حياة الناس بقدر اقترابنا من المنابر، وأن نعود إلى الأسئلة التي تبقى بعد انحسار الاهتمام بالحدث. ونرى في الثقافة والاقتصاد والإعلام تفاصيل متّصلة بالطريقة التي نفهم بها مجتمعاتنا ونختار مواقعنا فيها.

طموحنا أن يجد القارئ هنا ما يساعده على بناء رأيه، وأن يمتلك أسبابًا لفهم موقف يخالفه، وأدوات لمساءلة موقف يوافقه. فالاقتناع الذي يتحمّل السؤال أمتن من الاقتناع الذي يعيش على تكرار ما نحبّ سماعه.

نعرف ما يحدث بقدر ما تصلنا أخباره. ونقترب من فهمه حين نبحث في أسبابه، ونختبر رواياته، ونتتبّع أثره في حياة البشر. وفي هذه المسافة تحديدًا، بين وصول المعلومة واتّضاح معناها، نريد لـ«فكر وخبر» أن تؤدّي دورها.

اعلامية وباحثة في مجال الإعلام، حاصلة على درجة الماجستير في الإعلام والتواصل الجماهيري والدراسات السينمائية. متخصصة في تفكيك البروباغندا وكشف أبعادها الأيديولوجية. ومؤسِّسة مجلة "فكر وخبر". تهتم بالكتابة في قضايا السياسة والفكر والثقافة والإعلام.